محمد كرد علي
206
خطط الشام
طرق الشام : كانت الطرق ووسائط النقل والمواصلات مفقودة في الزمن الغابر حتى القرون الأخيرة في جميع أرض الترك عامة وفي الشام خاصة ، مما دعا إلى تأخر دخول المدنية الغربية إلى هذه الديار مدة طويلة من الزمن . وكانت الدولة العثمانية في أخريات أيام حكمها الشام أي في سنة 1862 أقرت برنامجا للطرق ، ووضعت قانونا لإنشائها وإعمارها وحفظها ، فأخذت الأحوال تتبدل ، وبدأت المشاريع تظهر في الشام بصورة حسنة . وكان القانون العثماني يقضي على كل شخص أن يقوم أربعة أيام في السنة بعمارة الطرق خلال عشرين سنة من حياته أو أن يقدم ضريبة قدرها ريال مجيدي واحد . وكانت هذه الضريبة تجبى بمعرفة لجنة قوامها بعض الموظفين الإداريين وموظفي المصارف الزراعية . ولم يراع هذا القانون في كثير من الأحوال ، وكانت الأموال التي خصصت لعمل الطرق تصرف في نفقات الدولة العامة . وقد وقف العمل بهذا القانون مدة قليلة لأن الأحوال السياسية حالت دون إتمام البرنامج المذكور ، فحرمت سورية الطرق . وكثيرا ما كان يرجح المار على الطريق أن يتبع الأرض المجاورة له لصعوبة السير عليه . أما الحالة في لبنان فقد كانت على غير ذلك . فإنه منذ نال استقلاله الإداري سنة 1860 ازدادت نفوسه ونتج عن ذلك أن ظهرت حركة المهاجرة التي ما فتئت تزداد من ذلك الحين . فاللبنانيون المهاجرون كانوا لا ينسون الذين تركوهم في الوطن ، بل كانوا يرسلون لهم الأموال من مهجرهم أميركا . كما أن الكثير من هؤلاء كان يرجع إلى موطنه بعد حصوله على ثروة لإتمام بقية حياته فيه . وإن قسما عظيما من هذه الثروة التي كان يجمعها اللبناني المهاجر كان ينفقه بإعمار بيوته ، أو بإنشاء بيوت جديدة على الطراز الحديث . وبهذه الصورة تمكن الجبل في مدة قليلة أن يعمر بقيام قرى جميلة وافرة السكان تحتاج للاتصال بالسواحل ، ولا سيما بيروت وطرابلس وصيدا . وقد اتفق الأهلون أن ينشئوا كثيرا من الطرق بأموالهم الخاصة ، فكان عدد الطرق لا يتناسب مع الفائدة المطلوبة منها بل ولا مع ثروة القرية التي تنتهي فيها